الأوتوفاجي السياسي

لا تسقط الإمبراطوريات دائماً أمام أعدائها… بل قد تنتهي بعدما تتحول أدوات قوتها إلى أدوات لهدمها.


لا توجد أمة خالدة، ولا إمبراطورية استطاعت الاحتفاظ بقوتها إلى الأبد. لكن الدول الكبرى لا تختفي عادةً بسبب معركة واحدة، ولا بسبب حاكم واحد، ولا حتى بسبب عدو ظهر فجأة عند حدودها.
فالضربة الخارجية قد تكون المشهد الأخير فقط، أما الانهيار الحقيقي فيبدأ قبل ذلك بسنوات أو عقود، عندما تشرع الدولة في استهلاك المقومات التي صنعت قوتها.

وهنا يمكن استخدام تعبير «الأوتوفاجي السياسي» أو الالتهام الذاتي للدولة.

ومن الضروري التمييز بين انهيار الدولة واختفاء المجتمع. فسقوط إمبراطورية قد يعني تفكك سلطتها المركزية، أو فقدان أراضيها، أو انتهاء نظامها السياسي، بينما تستمر لغتها وثقافتها ومؤسسات كثيرة منها تحت أشكال جديدة. وتبين الدراسات المقارنة للانهيارات التاريخية أن النتائج كانت معقدة وغير قابلة للاختزال في سبب واحد؛ فبعض المجتمعات اختفى مركزها السياسي، وبعضها أعاد تنظيم نفسه، وبعضها تحوّل بدلاً من أن يزول تماماً.

تقوم الدول الصاعدة عادةً على مجموعة من القواعد التي تمنحها القدرة على الحركة؛ درجة من العدالة، وانضباط إداري، وإيمان بالمشروع العام، واستعداد للتضحية، وإمكانية للصعود الاجتماعي، وشعور بأن الدولة رغم عيوبها فهي تخدم مصلحة أوسع من مصلحة الحاكم ودائرته.

لكن النجاح الطويل المستمر بل حتى المتصاعد قد يغيّر طبيعة السلطة بدءا من المرحلة السايكولوجية التي باعتقادي تسبق أي مرحلة أخرى واقصد كيف ينظر قادة هذه الامة او المجتمع لأنفسهم . تتحول الخدمة العامة إلى امتياز، وتصبح المناصب غنائم لا استحقاقات حقيقية، ويُعامل القانون باعتباره أداة لحماية النخبة لا مضلة فوق وللجميع. في هذه المرحلة عادة تستمر الدولة في استخدام الشعارات القديمة، لكنها تعمل في الواقع وفق قواعد جديدة تناقض تماما تلك الشعارات.

وقد تناول ابن خلدون فكرة قريبة من ذلك قبل قرون، عندما جعل ” العصبية أو التضامن الاجتماعي” محوراً لصعود الدول، ورأى أن ازدياد الترف والانفصال بين الحكام والمجتمع يؤديان تدريجياً إلى إضعاف الحيوية التي أقامت الدولة في بدايتها. فالمشكلة ليست في الثروة نفسها، بل في تحول الثروة إلى امتياز مغلق، وتحول الحكم من مشروع جماعي إلى نظام يعيش على ما راكمته الأجيال السابقة. وتشير الدراسات الحديثة لفكره إلى أنه ربط قابلية الدولة للحياة بتفاعل التماسك الاجتماعي والاقتصاد والسلطة، لا بمجرد القوة العسكرية.

تقدم الجمهورية الرومانية مثالاً مهماً. فقد حافظت طويلاً على توازن تنافسي بين طبقات ونخب ومؤسسات مختلفة. ولكن العنف السياسي الذي كان استثناءً تحول بالتدريج إلى وسيلة طبيعية لحسم الخلافات. وترى الدراسات المتخصصة أن العنف والحرب الأهلية في أواخر الجمهورية كانا في الوقت نفسه نتيجة لعدم الاستقرار وسبباً في تعميقه. كما تآكلت قدرة النخبة على بناء توافق مع الجمهور، وأصبحت المنافسة على السلطة أقوى من الالتزام بالنظام الذي أتاح تلك المنافسة أصلاً.

لم تختفِ روما مباشرة؛ بل قامت الإمبراطورية على أنقاض الجمهورية. وهذا يوضح أن أول ما ينهار أحياناً ليس حدود الدولة، بل فكرتها الأصلية. قد تبقى الجيوش والقصور والأعلام، بينما يكون النظام الذي منحها الشرعية قد مات بالفعل.

كل مشكلة جديدة تدفع السلطة إلى إنشاء مؤسسة جديدة، وسلاح جديد، وجهاز رقابة إضافي، وقانون استثنائي آخر. وفي البداية تبدو هذه الإجراءات حلولاً عقلانية. لكن تراكمها ينتج دولة بالغة التعقيد تحتاج إلى موارد هائلة لمجرد المحافظة على عملها.

طرح عالم الأنثروبولوجيا جوزيف تاينتر تفسيراً مؤثراً للانهيار يقوم على ” تناقص العائد من التعقيد “. فالمجتمعات تحل مشكلاتها عبر زيادة التنظيم والتخصص والإدارة، لكن كل طبقة جديدة من التعقيد تصبح أكثر كلفة، بينما تتناقص الفائدة التي تحققها. وعندما تصل الدولة إلى مرحلة تحتاج فيها إلى إنفاق متزايد فقط لمنع تراجعها، تصبح شديدة الهشاشة أمام الأزمات الخارجية.

يمكن رؤية جانب من ذلك في التجربة السوفيتية. فقد نجح النموذج الصناعي والعسكري السوفيتي في حشد الموارد خلال مراحل التصنيع والحرب، لكنه أصبح في العقود الأخيرة نظاماً ثقيلاً وغير مرن. وتذكر دراسة في تاريخ الشيوعية أن الأزمة الاقتصادية السوفيتية التي ظهرت منذ سبعينيات القرن العشرين ارتبطت بتصادم النموذج الاقتصادي المفرط في العسكرة، الذي تشكل منذ الثلاثينيات، مع متطلبات اقتصاد أكثر تنوعاً وتطوراً. ولم يكن الإنفاق العسكري السبب الوحيد للانهيار، لكنه أصبح جزءاً من نظام يستهلك الموارد ولا يستطيع إصلاح نفسه من دون تهديد بنيته السياسية وحدث في الشرق الأوسط مثلا في مصر بعد انقلاب 1952 الضباط على النظام الملكي ولغاية الان كذلك العراق مرحلة 1980 – 2003.

وهكذا قد تتفوق دولة في إنتاج السلاح وعسكرة المجتمع، لكنها تفشل في تحسين حياة سكانها. وقد تنتصر في المختبرات والفضاء، بينما تنهزم في المتاجر والمساكن والبنية الأساسية. عندئذ لا يعود الابتكار وسيلة لخدمة المجتمع، بل يتحول المجتمع إلى وقود لإدامة منظومة الابتكار العسكري والبيروقراطي.

إن أخطر ابتكارات الإمبراطوريات ليست دائماً الأسلحة التي يصنعها أعداؤها، بل الأنظمة التي صنعتها هي ثم أصبحت عاجزة عن تغييرها.

تواجه كل دولة أزمات تجبرها على التكيف. لكن هناك فارقاً بين التكيف الذي يحمي المبادئ والتكيف الذي يلغيها. فالسلطة قد تقنع نفسها بأن الظرف الاستثنائي يسمح بتعليق العدالة مؤقتاً، ثم يصبح الاستثناء دائماً، ويتحول القانون من حماية المجتمع إلى حماية النظام من المجتمع.

يبدأ الأمر غالباً بمجموعة محددة توصف بأنها خطر أمني أو ثقافي. ثم يُعاد تعريف المواطنة بحيث لا يتمتع الجميع بالحقوق نفسها. وبعد ذلك تتوسع دائرة الشك، ويصبح الاعتراض خيانة، والنقد تهديداً، والهوية الرسمية شرطاً للاستفادة من القانون.

كانت فرنسا متفوقة عسكرياً ومادياً على الحركة الجزائرية، لكن التفوق العسكري لم يستطع إعادة الشرعية إلى نظام لم يعد أغلب السكان يرونه نظاماً قابلاً للإصلاح. عندما يفقد القانون صفته العامة، لا تعود الدولة تواجه مجموعة مسلحة فقط؛ بل تواجه مجتمعاً لم يعد يرى سبباً أخلاقياً أو سياسياً للدفاع عنها.

وفي إسبانيا مثالاً آخر. ففي أواخر القرن السادس عشر جرى تجريم جوانب من ثقافة الموريسكيين وعاداتهم باعتبارها مخالفة للهوية الدينية الرسمية. وأسهمت تلك السياسات في اندلاع ثورة البشرات بين عامي 1568 و1571، ثم انتهى المسار بطرد الموريسكيين من الممالك الإسبانية بين 1609 و1614. وتختلف الدراسات حول حجم النتائج الاقتصادية في جميع المناطق، لكنها تشير إلى أن بعض الأقاليم خسرت عمالاً وإيرادات ضريبية مهمة.

اعتقدت السلطة أنها حققت التجانس والأمن، لكنها دفعت ثمناً في السكان والمهارات والثقة. وهذه إحدى مفارقات الالتهام الذاتي الأوتوفاجي السياسي ” تظن الدولة أنها تطهر نفسها من خطر، بينما تكون في الحقيقة تستأصل جزءاً من قدرتها الاقتصادية والاجتماعية”.

عندما تصبح الدولة أكثر عنصرية وعداءً للآخرين، فإنها لا ترتكب ظلماً أخلاقياً فحسب، بل تبدأ في اتخاذ قرارات استراتيجية سيئة.

العنصرية تجعل السلطة غير قادرة على تقييم الآخرين كما هم. فهي تقلل من شأن قدراتهم، وتبالغ في قوتها الذاتية، وتستبعد الكفاءات على أساس الأصل بدلاً من القيمة، وتغلق أبواب الاندماج أمام جماعات كان يمكن أن تكون جزءاً من الدولة أو حليفة لها.

كما أنها تحول المحايد إلى خصم، والمتردد إلى مقاوم، والحليف المحتمل إلى عدو يخشى انتصار تلك الدولة أكثر مما يخشى خصومها.

كان هذا واضحاً في السياسة النازية تجاه أوروبا الشرقية. فقد وُجدت داخل مناطق الاتحاد السوفيتي جماعات قومية ومتضررون من الحكم الستاليني كان من الممكن لألمانيا استغلال سخطهم سياسياً. لكن الأيديولوجية العنصرية النازية كانت أقوى من الحساب الاستراتيجي؛ إذ جرى التعامل مع الشعوب السلافية باعتبارها أدنى عرقياً، وانتهت فترات التعاون المحدودة سريعاً بالاعتقالات والإعدامات وسياسات الاحتلال الوحشية. وتشير الدراسات إلى أن بعض القادة الألمان فكروا في استخدام الأوكرانيين والبيلاروسيين ضد موسكو، لكن منطق العنصرية النازية تغلب، فعومل السلاف باعتبارهم دون البشر.

وبذلك لم تخض ألمانيا حرباً ضد الجيش السوفيتي وحده، بل صنعت حرباً وجودية ضد شعوب كاملة. وهي سياسة وسّعت المقاومة، وفرضت تكاليف أمنية وإدارية هائلة، وحوّلت الاحتلال إلى مشروع قتل واستيطان لا يمكنه الحصول على قبول السكان.

العنصرية هنا لم تكن تفصيلاً جانبياً في النازية؛ بل كانت جزءاً من الطريقة التي فهم بها النظام العالم واتخذ على أساسها قراراته. ولذلك أصبحت أيديولوجيته عائقاً أمام قدرته على التصرف بواقعية.

ويظهر منطق مشابه مع اختلاف المرحلة والظروف في نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فقد بنى النظام القانوني والسياسي على احتكار أقلية للحقوق والموارد. وبمرور الوقت خسر النظام معظم شرعيته داخل البلاد وخارجها، وتحوّل الصراع ضده إلى حركة دولية مرتبطة بمناهضة الاستعمار وحقوق الإنسان. كما ازدادت الضغوط الاقتصادية والعقوبات والعزلة الاستثمارية. وتصف الدراسات النظام الدستوري للفصل العنصري في مرحلته الأخيرة بأنه فقد تقريباً كل مظاهر الشرعية محلياً ودولياً، بالتزامن مع تصاعد أزمته الاقتصادية والسياسية.

لم تختفِ جنوب أفريقيا بسقوط الفصل العنصري؛ الذي انهار هو النظام العنصري نفسه. وهذا تمييز مهم: أحياناً يكون تغيير النظام هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الدولة من المصير الذي يقودها إليه ذلك النظام.

الدولة العنصرية تعتقد أن الخوف الذي تثيره دليل على قوتها. لكن حاجتها الدائمة إلى القمع تكشف في الواقع عجزها عن إنتاج الولاء.

كل إمبراطورية تتوسع لأنها تملك فائضاً من القوة. لكن التوسع يخلق التزامات جديدة: حدوداً أطول، وجيوشاً أكثر، وقواعد بعيدة، وحلفاء يحتاجون إلى الحماية، وطرقاً تجارية يجب تأمينها، وأنظمة إدارية ينبغي تمويلها.

في البداية تموّل المكاسب التوسع. ثم تأتي لحظة تنقلب فيها المعادلة، فيصبح التوسع هو الذي يستهلك المكاسب.

وتقع الإمبراطوريات في فخ نفسي خطير: فهي تفسر كل انسحاب على أنه ضعف، وكل تسوية على أنها إذلال. لذلك تستمر في الدفاع عن مواقع لم تعد ذات قيمة تكفي لتبرير كلفتها، لأنها تخشى الأثر الرمزي للتراجع أكثر من الكلفة الحقيقية للاستمرار.

لكن الإمبراطورية التي لا تعرف أين تتوقف لا تتوسع إلى ما لا نهاية؛ بل تنشر قوتها على مساحة أوسع إلى أن تصبح غير قادرة على حمايتها.

لا تحتاج الدولة إلى فقراء غاضبين فقط كي تدخل مرحلة الخطر. بل تحتاج أيضاً إلى نخب كثيرة تتنافس على عدد محدود من المناصب والثروات ومراكز النفوذ.

تشرح النظرية الديموغرافية الهيكلية، المرتبطة بأعمال جاك غولدستون وبيتر تيرتشين، كيف يمكن أن يجتمع تدهور أوضاع السكان مع تضخم أعداد الطامحين إلى الانضمام للنخبة وعجز الدولة المالي، لينتج ضغطاً يقود إلى الاضطرابات والثورات والحروب الأهلية. ويشير هذا النموذج إلى أن «الإفراط في إنتاج النخب» لا يعني كثرة المتعلمين أو الناجحين بحد ذاتها، بل وجود عدد متزايد من أصحاب الطموح والنفوذ يتنافسون على مواقع محدودة داخل نظام مغلق.

عندئذ لا يعود الخلاف بين النخب خلافاً حول إدارة الدولة، بل يصبح صراعاً على امتلاكها. تستخدم كل مجموعة الجمهور والهوية والدين والقومية والإعلام لتصفية منافسيها. وقد تمتلك الدولة جيشاً قوياً وأجهزة ضخمة، لكنها تكون مشلولة لأن مؤسساتها أصبحت ساحات حرب بين أجنحة السلطة.

الإمبراطوريات لا تُؤكل من الفقراء وحدهم؛ كثيراً ما تبدأ النخب بأكلها أولاً.

يمكن للنظام القوي أن يتحمل خبراً سيئاً. أما النظام الخائف فيعاقب حامل الخبر، ثم يطلب من الجميع إبلاغه بأن الأمور بخير.

عندما تصبح ترقية المسؤول مرتبطة بإرضاء القيادة، تبدأ التقارير في التحسن بينما يتدهور الواقع. تُخفى الخسائر، وتُزيّف الأرقام، ويُتهم المنتقدون بالتشاؤم أو الخيانة. وفي النهاية لا تعود السلطة قادرة على معرفة حجم الأزمة إلا بعدما تصبح مكشوفة للجميع.

إن الدولة التي تخلط بين الولاء والكذب تفقد أهم وسائل الدفاع عن نفسها: القدرة على تصحيح الخطأ.

تحتاج الإمبراطوريات إلى ما هو أكثر من القوة المباشرة. تحتاج إلى حلفاء يرون في استمرارها مصلحة لهم، وشعوب تقبل التعامل معها، ومؤسسات دولية تمنح سلوكها قدراً من الشرعية.

لكن عندما تصبح سياساتها عدوانية وعنصرية ومتقلبة، يبدأ الآخرون في إعادة حساباتهم. قد لا يتحولون جميعاً إلى أعداء، لكنهم يتوقفون عن المخاطرة لإنقاذها.

فالحليف لا يسأل فقط: هل هذه الدولة قوية؟ بل يسأل أيضاً: ماذا سيحدث لي إذا بقيت قوية؟ وإذا أصبحت كلفة انتصار الإمبراطورية على الآخرين أكبر من كلفة سقوطها، تجد نفسها عند أزمتها الكبرى محاطة بدول تنتظر النتيجة بدلاً من مساعدتها.

هنا تكمن إحدى أكثر نتائج الأوتوفاجي خطورة: الدولة التي صنعت الخوف في زمن صعودها قد لا تجد التعاطف في زمن سقوطها.

التاريخ ليس محكمة تصدر أحكاماً فورية. فقد تستمر دول ظالمة زمناً طويلاً، وقد تنهار دول أقل ظلماً بسبب الحرب أو المرض أو أخطاء القيادة. لذلك لا يمكن القول إن كل إمبراطورية سقطت لأنها أصبحت «فاسدة أخلاقياً»، أو إن الأخلاق وحدها كافية لحماية الدول.

لكن للأخلاق العامة والعدالة أثر مادي واضح. فالعدالة تبني الثقة، والثقة تقلل الحاجة إلى القمع، وتزيد الاستعداد لدفع الضرائب والدفاع عن الدولة وقبول التضحيات. أما الظلم فيحتاج إلى أجهزة أكبر لمراقبة المجتمع، وجيش أكثر انشغالاً بالداخل، ودعاية أكثر كثافة لإخفاء التناقضات.

وبهذا تتحول الأخلاق من قيمة مجردة إلى جزء من الاقتصاد والأمن القومي.

الدولة العادلة لا تضمن الخلود، لكن الدولة التي تدمر العدالة تدفع نفسها إلى إنفاق متزايد لتعويض ما فقدته من رضا وثقة وتعاون.

في النهاية؛ الإمبراطوريات لا تموت عندما يدخل العدو عاصمتها فقط. تبدأ نهاية الأمة عندما يصبح القانون انتقائياً، والاقتصاد خادماً للسلطة و النخبة بدلاً من المجتمع (أوضح صوره هو في الولايات المتحدة الامريكية) والابتكار آلة لاستهلاك الموارد، والهوية أداة لطرد المواطنين، والجيش بديلاً عن السياسة، والدعاية بديلاً عن الحقيقة.

وتقترب النهاية أكثر عندما:

تصبح النخب مشغولة بتقسيم الدولة بدلاً من تطويرها؛

ويُعامل الإصلاح باعتباره تهديداً؛

ويتحول المختلف إلى عدو؛

وتصبح العنصرية دليلاً على الوطنية؛

وتتجاوز الالتزامات العسكرية قدرة الاقتصاد؛

ويفقد الحلفاء ثقتهم في أن بقاء الإمبراطورية يخدمهم؛

ويصل إلى القيادة ما تريد سماعه، لا ما تحتاج إلى معرفته.

عندئذ قد تبقى الدولة قوية في الصور والعروض العسكرية والخطب، بينما تكون قد بدأت بالفعل في التهام الأسس التي تحملها.

لا يأتي العدو الخارجي في معظم الأحيان ليهدم بناءً سليماً من أساسه. إنه يصل إلى بناء أفرغته الصراعات الداخلية، وأضعفته سياساته، وأحاط نفسه بالأعداء، ثم يوجه إليه الضربة الأخيرة.

ولذلك فإن السؤال الأهم ليس؛ من أسقط الإمبراطورية ؟

بل: متى بدأت الإمبراطورية تتصرف كأن شعبها ومواردها وقوانينها وحلفاءها أشياء يمكن استهلاكها بلا نهاية؟

هناك تبدأ لحظة الانهيار، حتى لو تأخر ظهورها على الخرائط.

تحيتي

لتصلكم مقالاتي وتحليلاتي الاستراتيجية

اشترك ببريدك الإلكتروني ليصلكم كل جديد فور نشره

يمكنكم إلغاء الاشتراك في أي وقت. يُرجى الاطّلاع على سياسة الخصوصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top
تم نسخ الرابط